أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
376
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الجلال ، اغفر لنا . وقيل : سموه بها ، كقولك : سميت ابني بزيد . قوله : « يُلْحِدُونَ » قرأ حمزة هنا ، وفي النحل ، وحم السجدة « يُلْحِدُونَ » بفتح الياء والحاء ، من « لحد » ثلاثيا ، والباقون بضم الياء وكسر الحاء ، من « ألحد » ، فقيل : هما بمعنى واحد ، وهو الميل والانحراف ، ومنه : لحد القبر ، لأنه يمال بحفره إلى جانبه ، بخلاف الضريح فإنه يحفر في وسطه ، ومن كلامهم : ما فعل الواحد ؟ قالوا : لحده اللاحد . وإلى كونهما بمعنى واحد ذهب ابن السكيت ، وقال : « هما العدول عن الحق » . و « ألحد » أكثر استعمالا من « لحد » ، قال : 2366 - ليس الأمير بالشّحيح الملحد « 1 » وقال غيره : « لحد » بمعنى : ركن وانضوى ، و « ألحد » : مال وانحرف . قاله الكسائي ، ونقل عنه أيضا : « ألحد » : أعرض ، و « لحد » : « مال » . قالوا : « ولهذا وافق حمزة في النحل ، إذ معناه : يميلون إليه » . وروى أبو عبيدة عن الأصمعيّ : « ألحد » : ماري وجادل ، و « لحد » : حاد ومال . ورجّحت قراءة العامة بالإجماع على قوله : « بإلحاد » . وقال الواحدي : ولا تكاد تسمع من العرب لاحدا » . قلت : يعني فامتناعهم من مجيء اسم فاعل الثلاثي يدل على قلته ، وقد قدمت من كلامهم : لحده اللاحد . ومعنى الإلحاد فيها : أن اشتقوا منها أسماء « لآلهتهم » ، فيقولون : اللات من لفظ « اللّه » والعزى من لفظ « العزيز » ، و « مناة » من لفظ « المنان » . ويجوز أن يراد سموه بما لا يليق بجلاله . قوله تعالى : وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ . « من » يجوز أن تكون موصولة ، أو نكرة موصوفة ، و « يَهْدُونَ » صفة ل « أُمَّةٌ » ، وقال بعضهم « 2 » : « في الكلام حذف ، تقديره : ممّن خلقنا للجنة ، يدل على ذلك ما ثبت لمقابلهم ، وهو قوله : « وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ » . قوله : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا . يجوز فيه وجهان : أظهرهما : أنه مبتدأ ، وخبره الجملة الاستقبالية بعده . والوجه الثاني : أنه منصوب على الاشتغال بفعل مقدر ، تقديره : سنستدرج الذين كذّبوا . والاستدراج : التقريب منزلة منزلة ، والأخذ قليلا قليلا ، من الدّرج ، لأن الصاعد يرقى درجة درجة ، وكذلك النازل . وقيل : هو مأخوذ من الدّرج ، وهو الطيّ ، ومنه : درج الثوب : طواه ، ودرج الميت ، مثله ، والمعنى : يطوي آجالهم . وقرأ النخعي وابن وثاب « سيستدرجهم » بالياء ، فيحتمل أن يكون الفاعل الباري تعالى ، وهو التفات من التكلم إلى الغيبة ، وأن يكون الفاعل ضمير التكذيب المفهوم من قوله : « كَذَّبُوا » . وقال الأعشى في الاستدراج : 2367 - فلو كنت في جبّ ثمانين قامة * ورقّيت أسباب السّماء بسلّم ليستدرجنك القول حتّى تهرّه * وتعلم أنّي عنكم غير مفحم « 3 »
--> ( 1 ) البيت لأبي نخيلة وقيل : لغيره . انظر الكتاب ( 2 / 371 ) ، ابن يعيش ( 3 / 124 ) ، الإنصاف ( 1 / 131 ) ، الهمع ( 1 / 64 ) ، اللسان « خبب » . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 430 ) . ( 3 ) البيتان في ديوانه ( 173 ) ، والبحر المحيط ( 4 / 431 ) .